صديق الحسيني القنوجي البخاري
77
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 40 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن الخالق بأنه اللّه سبحانه لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية ، مع عبادتهم للأصنام والأوثان ، واتخاذهم الآلهة من دون اللّه وفي هذا أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة ، وجهالة عظيمة لأنهم إذا علموا أن الخالق لهم ولما يعبدون من دون اللّه هو اللّه سبحانه ، فكيف استحسنت عقولهم عبادة غير خالق الكل ، وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة وقد كانوا يذكرون بحسن العقول وكمال الإدراك والفطنة التامة ، ولكنهم لما قلدوا أسلافهم وأحسنوا الظن بهم هجروا ما يقتضيه العقل ، وعملوا بما هو محض الجهل ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يبكتهم بعد هذا الاعتراف ويوبخهم فقال : قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده اللّه بي من الضر ، والضر هو الشدة والبلاء أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ عنّي بحيث لا تصل إليّ والرحمة النعمة والرخاء قرأ الجمهور : كاشِفاتُ و مُمْسِكاتُ في الموضعين بالإضافة ، وقرأهما أبو عمرو بالتنوين ، واختار أبو عبيدة وأبو حاتم قراءة أبي عمرو لأن كاشفات اسم فاعل في معنى الاستقبال ، وما كان كذلك فتنوينه أجود وبها قرأ الحسن وعاصم ، قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسكتوا وقال غيره قالوا لا تدفع شيئا من قدر اللّه ، ولكنها تشفع فنزل : قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ أي عليه لا على غيره يعتمد المعتمدون ، ثم أمره اللّه سبحانه أن يهددهم ويتوعدهم فقال قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي على حالتكم التي أنتم عليها وتمكنتم منها ، والمكانة بمعنى المكان فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا ، وحيث للزمان وهما للمكان إِنِّي عامِلٌ على حالتي التي أنا عليها ، وتمكنت منها ، وحذف ذلك للعلم به مما قبله . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي يهينه ويذله في الدنيا ، فيظهر عند ذلك أنه المبطل وخصمه المحق ، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا وما حل بهم من القتل والأسر والقهر والذلة ، ثم ذكر عذاب الآخرة فقال :